قابل النبي (ص) أحد الصحابة في طريق فسأله.. "كيف أصبحت؟ فأجابه أصبحت مؤمناً حقاُ! فقال إنتظر.. إن لكل قول حقيقة فما هي حقيقة قولك؟ قال عَزفِت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، قال هكذا لقولك حقيقة".
من هذا المنطلق عندما نتحدث عن شخصٍ ما مدحاُ أو ذماُ فيه لابد أن يكون لقولنا حقيقة، فحينما أُتيحت لي فرصة الحديث عن الأستاذ الدكتور محمد غانم لم أجد مدخلاُ للحديث عنه يليق بقدره ومكانته.. وهذه حقيقة، فقررت الحديث عن بعض المواقف النبيله التي جمعتني شرفاً به، إلا أنني لم أستطع حصرها..وهذه حقيقة، فكيف أتحدث عن مواقف النُبل مع شخصية تمثل النُبل ذاته في زمنٍ ندر فيه النُبلاء.. وذلك حقيقة، فالدكتور محمد غانم يمثل شخصية نادرة الوجود، أو بالأحرى منقرضة، وأسوق لكم (حقيقة) ذلك من خلال مستويات عدة.
بدايةً على المستوى الأكاديمي.. كلنا يعلم كم يعاني -بعض- طلاب الدراسات العليا من سوء معاملة أساتذتهم لهم، وفي حالٍ أفضل يعانون من عدم مبالاتهم بمجهودهم، وفي حال أفضل من هذا وذالك لايجدون حرصاً حقيقياً من أساتذتهم عليهم –إلا من رحم ربي وهدى- ولكن.. ماذا عن أستاذ يعمل في عمل تلميذه أكثر مما يعمل الطالب نفسه، فيكون أبذل منه جهداً في بحثه، أكثر عليه حرصاً من نفسه، أدّوم له تشجيعاً من أهله، يُزلل له العقبات، ويُزيل عنه العراقيل، ويتيح له السبل، ويُمهد له الطرق، ويقدم له الفرص ليعبرعن نفسه، فيفخر به أستاذه ويدفعه دوماً للأمام.. هذا هو الأستاذ الدكتور محمد غانم.
ولازلنا على الصعيد الأكاديمي.. فعادة ما تسيطر روح المنافسة –وأحياناً العدائية- بين الأساتذة تحت سقف القسم الواحد، فإذا سئُل أستاذ عن آخر تجده إن لم يذم لم يمدح، ولكن.. جرب أن تسأل أيٍ من الأساتذة أياً كان جنسه أو درجته العلمية عن الدكتور محمد غانم، لتجد لسان حاله يسرد صفات النبل، ومواقف حسن الخلق، وطباع أهل الخير، وأخلاق أصحاب العلم، فما قولك في رجل إستقر عليه رأي الحابل والنابل بالخير.. ذاك هو الأستاذ الدكتور محمد غانم.
وعلى المستوى العملي.. خارج باب المدرج بين تلامذته ومرضاه، تجده وهو يتحدث مع مرضاه أقرب إليهم من زويهم فتجد المريض متهيجاً إن رآه إستقر، وإن تحدث معه تحسن، فهو يشعر حق الشعور أن الدكتور غانم يحبه بصدق، يسعى إليه بإخلاص، ويحمل همه وآلامه كما يحملها هو.. وأما بين تلامذته فمُحال أن تشعر بأنه يمارس دور الأستاذية معهم، بل تجده واحداً منهم يشاركهم أفراحهم وأحزانهم.. وأذكر له موقفاً خلال مؤتمر الطب النفسي بجامعة عين شمس 2010م كان الجميع يبحثون عنه ويتساءلون أين هو؟ لما لايقف الدكتور غانم أمام الكاميرات ويتحدث إلى الصحفيين ويجالس رواد الشركات الطبية وأصحاب الدعاية الدوائية؟ أين رئيس القسم ورئيس المؤتمر؟ وإذا بي أجده في قاعة بعيدة عن قاعات المؤتمر جالساً بين طلاب كلية الطب في مراحلهم الدراسية المختلفة يستمع بإهتمام شديد لما بذلوه خلال راوند النفسية من مجهود.. يستمع إليهم سماع الأب الحنون، الأستاذ السعيد بمجهود تلامذته، يشاركهم نشاطهم ويناقشهم فيه، هنا كان يجلس رئيس القسم الأستاذ الدكتور محمد غانم.. حقاً إنها سنة الله في خلقه أن يجعل بين هؤلاء الطلاب مثلاً أعلى وقدوةً حيّة بينهم ليحذوا حذوها، هذا إن إستطاعوا لذلك سبيلاً.
وأما على المستوى الانساني.. فحدث ولاحرج، فكم من مريض يرفض أن يتقاضى منه أتعاباً طبية، وكم من حالات يسمح لها باللجوء إليه في أي وقت وتحت أي ظرف دون أدنى تكلفة منهم أو كُلفةً منه، وكم من مساعدات مادية وعينية يُقدمها لمرضاه علمت بها -دون علمه- ولم أُعلمها لآخرين غيري، وكم من طالب علم مجتهد لاقى العديد من النصب والتعب ثم إرتمى في رحاب علمه فوجده أحرص منه عليه، وكم.. وكم.. وكم..
حقاً لا أستطيع حصر تلك المواقف التي تبين حقيقة مدى إنسانية هذا العالم الجليل، ولكن.. بإعتباري أعلم علم اليقين وكما تعلمت في رحاب الصوفية الحقة، والتي جمعت بين علمي الحقيقة –مصداقاً لبداية حديثي- والشريعة التي تؤيد خيريّة صاحب أفعال الخير، إستناداً لهذا فإن أمثال الدكتور محمد غانم –إن وُجدوا- هم من أجناد الله في الأرض.. بل هم من خير جُند الله في أرضه.. فقد حبى الله سبحانه وتعالى هذا الرجل بمزيج من الخصال التي تُثير العبر في العقلاء من الناس.. ورزقه بمزيد من العطف والحنان الذي يسع الحيارى من الناس.. وآتاه الجود والكرم الذي غمر به العديد من الناس.. وأيده في مواقف كثيرة بنصرٍ إفتقر إليه نفرٌ من الناس.. فأنا أقسم –والله يعلم بأن قسمي حق- أني رأيت لهذا الرجل فعال الطالحين من أولياء الله الصالحين في سعة صدره.. ورحابة قلبه.. وجميل خلقه.. وطيب حديثه.. وحياء سؤاله.. وقوام عطفه.. وحنان فعله.. فأسأل الله العظيم بقيّوم دوام أبديته.. وبمقدار إقتدار عزته.. وبمعلوم مكنون قدرته.. أن يحفظه لنا من كل سوء ويبارك له في عمره وأهله وماله وصحته وأن يسوق له كل خير ويصرف عنه كل شر وأن يسدد خطاه ويُتم هُداه إنه ولي ذلك والقادر عليه..؛
أحمد هارون الشريف
خبير الشئون النفسية